قصيدة الليل
نص :مارجريت آتود*
ترجمة :ميسون الارياني

لا شيء لتخافه
هي الريح
تتجهه نحو الشرق
هو أبوك "الرعد"
وأمك "المطر"
 .....
في مدينة الماء
الرطب قمرها كالفطر
الغارقة جذورها عميقا
حيث يعوم مالك الحزين
 حيث تنبت الطحالب على سيقان الأشجار
حيث ظلك ليس ظلك
لكنه محض انعكاس فريد..
........
عندما آبائك الحقيقيون تلاشوا
بينما غشت  الستائر بابك
كنا  تحت البحيرة
نقف بصمت قرب سريرك
مع رؤوسنا الممتلئة بالظلام
قادمين لنطفئك بالصوف الأحمر
بدموعنا وهمساتنا الضئيلة
بينما تنام في تابوتك الوحيد
كنا ننتظر
ليلتك
أمك
وأبوك
بأيدينا الباردة وضوئنا الميت
لتعرف أننا وحدنا
هذه الظلال المرتعشة
خلف شمعة واحدة
في هذا الصدى الباهت
سوف نُسمع للعشرين سنة القادمة..
 
 
*شاعرة من كندا



أكون ذاتي..
نص:جون ماثيو*
ترجمة :ميسون الإرياني


موحشة هي طرقي..أكثر وحشية مما تتخيل
ستجدني أقف بعيدا قليلا عن الإطار
قريبا جدا من القيامة
ستجدني أنا والكثير مني ..
                        يا لضآلتي..!

أنا الوحيد مع نظرة شاسعة
للبحارة..لخيالات المحيطات العظيمة
للجبال الهائلة
مع تساؤل بارد
لماذا لم تكن أقرب..


الكثير من المرارة والكثير من الحزن
هذا الموج  , الجليد الذي ينبع من كلماتي..
أعتقد بينما اكتب.. بينما ألقي.. لا بد لي من معاناة كبيرة
وهناك الكثير في داخلي
 من الزبد..




بينما مر العالم من خلالي
كنت أتساءل..
عن جفاف القلب
والأراضي الخربة من حياتي
للقصص التي كتبتها والقصص التي كتبتني
للشخصيات التي خلقتها والشخصيات التي تلبستني

يا لحماقتي..يا لهراء وجودي
رجل مهووس عميقا بمراقبة سير الوجود
رجل يعتبر هذا العالم مجرد خدعة تحاصر الروح
باكيا في داخله باحثا عن أداة للقياس والزمن

هناك يقف الرجل في ضوء القمر
متوهجا مثل أنبوب..صارخا كممسوس
يتحدث عن قصة لا تهم أحدا

      قصص عن أشباحه المشتهاه !


*شاعر من الهند
 الأحلام
 ليزا زاران *
ترجمة: ميسون الارياني
 






في وقت متأخر جداً
حين تجيش الظلمة في صندوق الساعة.
يأتي موعد السُكر
والسجائر.
 لا أزال أدخن،
 سيجارة
 فسيجارة.
انا بخير،
في الأحلام، التدخين عاجز عن قتلي.
 الخارج دافئ الآن
كل نوافذي مشرعة..
وليس هنالك من خطر
سوى الوجه الخطير من الفتنة..

معلقة في نافذتي

مثل أصيص
استمر في التدخين
ومعانقة الكأس.

في شحوب العالم ، قمر ازرق مشع

و النجوم تلمع بوحشية.
والأغبياء الذين يمرون
يبتسمون لي
أتجاهلهم و انفض الرماد.

اسمع موسيقى قادمة من مكان ما.

ضعيفة،
 بنغمة مالحة حلوة..
لا أعرف حقاً
كيف أغني!

النسيم اللطيف يعزف بشعري.

هذا الهواء الرطب يغطي العالم منتصف الليل.
في هذه الساعة الخاصة.
يطل المدخل البلاستيكي للزمن
في الوقت ما بين الحقيقة والإيمان
تستيقظ مدينة الأحلام..

هذا الشيء على فراشك

 ستدركه صباحاً،
وتتساءل..كيف !.
في هذه اللحظة المدهشة.
بعمق..حدق بي..
ألم تكن جميلة؟ النجوم المستيقظة!
أليست رائعة؟ قبلة القمر!
أين الوقت
الذي دائماً ما يتقدم
محاولاً سحقي مع القادم !. 





*شاعرة أمريكية

كلمات الفينيق

ديلمور شوارتز
 (1966_ 1913)
ترجمة :ميسون الإرياني
 




ولد شوارتز ديلمور في 8 ديسمبر 1913 بالولايات المتحدة الامريكية لأبوين من المهاجرين الرومانيين لكن زواجهما فشل مما اثر عليه طيلة حياته .حصل في عام 1935 على ليسانس في الفلسفة من جامعة نيويورك وحصل عام 1936 على جائزة بودوين في العلوم الانسانية.وعلى الرغم من من عدم انهائه دراساته العليا الا انه عين محاضرا في جامعة هارفارد التي غادرها الى نيويورك عام 1947 حيث أنهى كتابة مجموعته القصصية "العالم عرس" و أصبحت اعماله في ذلك الوقت معروفة على نطاق واسع نشر العديد من من المقالات النقدية في مختلف المجالات الأدبية والموضوعات الثقافية كما كتب الشعر . وتولى عددا من المناصب التعليمية في عدد من الجامعات وفي عام 1960م أصبح أصغر شاعر في التاريخ يفوز بجائزة بولنجن .
قضى شوارتز سنواته الاخيرة منزويا في فندق كولومبيا في نيويورك .توفي يوم 11يوليو 1966 عن 52 عاما.




1
إذ الطبيعة تعني الموت فالموت هو الطبيعة
مثلما الشتاء يشبه الربيع
الحيرة هي التنوع,
التنوع في كل شيء..
والتجربة وحدها تمنح الخبرة
لشتى الرغبات ,
البذخ ,
معنى الفقر والرضى..
2
عندما مرت مئة سنة
بدت الطبيعة للإنسان كساعة..
عندما غرقت مدينة أخرى,
بدت الطبيعة عندها كغابة
في الصخر..
الأن حين تتحول الطبيعة إلى قنبلة ,مخفية
تُتَكْتِكْ
كيف علينا تَوهُّمُها !
نيوتن,ديموقرطيس والإلــه
براعة القلب والعقل اللامحدود
مدهش
كيف لا يمكن السيطرة عليهما
أو اشباع فضولهما.

3

السحابة سوداء بنفسجية عند الغروب,هذه هي نهاية "آب"
حتى الضوء يبدو باردا,كيفما رأينا
وكيفما أنصتنا, نسمع  طبول  أول الخريف..

*نشرت في مجلة غيمان

Eileen Carney Hulme
 أنفـــــاس ضئيلة ..
نص :إلين كارني هولم*
ترجمة : ميسون الإرياني


لا يهمني قلبي الذي يغرق
أناتي, في وزن الهياكل العظمية
طرقي التي نسيت اتباعها
فأوصدت ببطء..
الغرف التي لا أدركها,
تخاف من أن تتغير..
وأنا أستمر في البكاء
لأجل قوس قزح غير مؤكد !
لأجل كل أحلام اليقضة التي سَرقْتُها,
الرافضة تماما بأن تعود لي ثانية..
لكل مخازني لغبار الفضة
لكل يوم يمر،
بأنفاس ضئيلة..



*شاعرة أمريكية من أصل اسكوتلندي
نشرت في صحيفة ألوان الثقافية



كانوا عطاشاً ..

منفيون بأسماء المطر
متكئون على زجاج أشقر
كانوا عطشى
بلا بَرد ولا عتمة
يشعلون أوقاتهم بضجيج باهت ونواقيس محطمة
يلبسون وَحشة العالم و بكاء المراجيح
لاهثين خلف نوم مستعار ومرايا عمياء لا تتيح تتبع الوحدة
ناشدين عكازا معـبّدا لذهاب نحو الجانب الخائف من السّد \الحقيقة..
نحو عرافة تصنع الحظ بميلاد الوقت..
_أو ربما الله _..

منفيون بأحلام ترسم رائحة الدم بمعاول باردة
بقصائد تسأل المارين بعض الحلوى كي تشبع غريزة الضوء
بلا أسماء
ولا موسيقى..

منفيون كحريق يسأل القادم باسم الأطفال والجوعى..
(الوقت للغيب
الوقت للذاكرة..
لا وقت للوحشة!)

منفيون بجرائد عتيقة
بأوراق خضراء تسكب الوطن بأجنحة جاحدة
:اخفضو النوتات
خبئوا النوتات
شيطاننا عاد
بأسنان سودٍ ومخالب ياقوتية
يخطف التفاح
وثياب الموتى
شيطاننا عاد..
أيها الشعراء
موِّهوا أقلامكم..
Poèmes

Maysoon Al-Eryani




Vœux prohibés


A cause de mes souhaits
Il ne m’est pas permis de devenir une rose
Ni de me presser vers Dieu
Prohibé aussi d’être un oiseau
Qui offre les cerises aux anges
Et parce que je ne suis pas une nuée
Il est impossible même de me couvrir de soleil
Je suis semblable à un petit lapin
Je dois trépasser en solitaire
Sur ta chère balançoire




Elle te cherchera.


Petit à petit
Oh ! Toi, hirondelle,
Qui te donnerait main forte
Autre que le pieu naïf
Sur le bord du poème
Tendre comme un bourgeon
Planant comme une absence ?
Oh ! Toi, fière de ton allure
Ne te presse pas
Afin que la vie ne se froisse.



Retour

En un clin d’œil
Tu remis de l’ordre dans mon cœur
Essuyas la peine flétrie dans les coins
Débarrassas la fenêtre de l’aube fanée
Et me la remis nette et vierge.



Paradis


Comme de coutume vers la fin de la nuit
J’ouvre mes fenêtres
Attendant que tu ramènes l’univers
Au brasier de ma passion ;
Que tu épluches le paradis pour mes chants
Je ne parlerai pas à présent du ciel
Ni des fleurs de notre sévère voisine
Mon cœur maintenant est plus ardent
Qu’un grain de châtaigne.



Cadeau

De cellophane,
Mon cœur est emballé
Comme la pleine lune ce cœur est perforé.
Elle est semblable à une végétation nuisible
Dit le destin,
Entre les touches du piano

* أديب من تونس







أمنيات ممنوعة
 
لأن لي أمنيات 

ليس مسموحا أن أصبح وردة 
أو أُسْرعَ نحو الله 
ممنوع أيضا أن أكون عصفورا 
يوزع الكرز على الملائكة 
ولأني لست غيمة
  مستحيل حتّى أن أتدثر الشمس
  فأنا مثل أرنب صغير 
عليَّ أن أموت وحيدة 
فوق أرجوحتكَ الغالية..
 

الهُـوّيْـنَا
 
أيتها السنونوة 

من لكِ  
غير الوتد الغِر على حافة القصيدة؟ 
لينٌ كالطلع، 
محلقٌ كالغياب 
أيتها المزهوة بالخطو..
  تريثي حتى لا ينكمش العمر.
 
اكسكاليبر*



يتفتق بالضوء 

يركل المدى بيانع الصحو
  يقطف صبره المترنم على حوائط الزنبق 
مثل طير الفلامنجو 
فاتن حزنه ...
قائم كي يُسكر العالم
 
عـــــودة


لهنيهة رتبتَ فؤادي 

مسحتَ الوجع الميت في الزوايا 
أزلتَ الصبح المتعفن من النافذة  
وأعدتَه إليَّ 
أبيض 
و بكرا..
 
جنِّـــــة
 

مثل كل آخر ليلٍ 
أشرعُ نوافذي 
أنتظرك أن تجلب الطبيعة لعشقي المتقد 
أن تقشر الجنة لأغانيَّ. 
لن أتحدث اليوم عن السماء 
أو عن زهور جارتنا العنيفة  
قلبي الآن أكثر اشتعالا من حبة الكستناء..

هدية
 

بالسيلوفان 
لُفَّ قلبي 
هذا المثقوب كالبدر
  يقول القدر: "هي"مثل عشبة ضارة، 
بين مفاتيح البيانو
ستفتش عنك

دمعـة
 

في أرضي القزحية 
حتى القبور تدرك الحظ
  مثل الدولاب الدوار 
أو القمر الكبير المتدحرج على خديكَ.
 
* Styx
 

في الصمت 
أغوص بحثا عن سمفونية تقطف السوسن
  قبل أن تنطفئ أصابعكَ..

فاصلة
 

سألني عن الحظ  
هو شيطان.. 
أيتهاالكائنات الصغيرة
  غني  
رويدا 
حتى لا تسرق الريح أجنحتك..
  تمزقي 
رويدا 
حتى لا تطفئك الأرض.. 
رتلي وجهتكْ 
حتى لا يعلم الموت
بأن الوقت تاخر




*السيف الأسطوري في حكاية الملك آرثر "Excalibur"


**نهر الموت في الأساطير الإغريقية


د.حاتم الصكر

 
كنت في المناسبات الثقافية التي ألتقي فيها الشاعرة ميسون الإرياني وأطلع على نصوصها الشعرية أعلق بالقول إن التعين النصي مفقود فيها لصالح التجريد الصوري واللغوين ويبدو أن ملاحظتي تلك المتصلة بالغنائية والتهويم والاسترسال أصبحت طرفة لتكرارها كلما التقيت نصا لها وتساءلت هي اما وجدت فيها تعينات ما؟ حتى أصدرت ميسون ديوانها قبل الأخير(سأثقب بالعاشقين السماء) ودخلت مرحلة الكتابة بالنثر، وبخيال مرسل لا تكلف فيه ولا تجريد غنائي. فقلت في استعراضي لعمل الأدباء الشباب في عملهم المشترك (سماوات) إن ميسون تحاول تجربة القصيدة المتعينة ، وكنت أشير لديوانها ( مدد) المنشور ضمن ذلك الإصدار والذي فازت عنه بجائزة رئيس الجمهورية في مجال الشعر لعام 2009 كما أصدرته مؤخرا في طبعة منفصلة بشيء من التنقيحات والإضافات. هنا يجد القارئ مناخا مختلفا عن كتاباتها الشعرية المبكرة ، ويتأكد ذلك خاصة في قصائدها القصيرة المكثفة لغة وإيقاعا وصورا والتي ضمها ديوانها ، حيث تحيل في العنوان الذي خالفتها في اختياره إلى ركح صوفي واستعادة لأجواء زهدية لا تلتزم بها في نصوص الديوان ، فكانت القصائد جديرة بعنوان أكثر دلالة وارتباطا بحداثة نصوصها فضلا عن أن المفردة (مدد) فقدت شعريتها لكثرة استخدامها ،هذا باعتبار العنوان مصافحة أولى بين القارئ والقصائد وعتبة نصية مهمة وليست حلية أو اسما اعتباطيا لمولود بلا هوية. كما أن التصوف والزهد ليسا مرجعين للقصائد فالشاعرة تنطلق في قصائدها لفضاء شعري متنوع الدلالات والاهتمامات ومتعدد المراجع.ومن أبرزها ما قراته باللغة الإنجليزية التي درستها متخصصة في الجامعة وأفادت من أجواء أدبها وشعرها خاصة. تقول قصيدتها ( مشهد) ذات الأبيات الأربعة أيضا:
البحر
مستوحش
كريح مكتئبة
عند حائط قلبي العجوز

وللقراءة أن تشتق الدلالات من وصف القلب والريح وتوزيع الأبيات في كلمات متناثرة قصدا.وفي قصائد أخرى تتضح معالجة الموضوع برؤى حداثية تعمل على تغييبه لصالح تعين صوره وإيحاءاته فتشتق منها القراءة مشاهد ومرائي متنوعة،كأن تقول في قصيدة(كف9 ذات الأبيات الأربعة أيضا:
العالم يئن
كإسكافي عجوز
بكف واحدة
يلمع أحلامنا اليابسة
وفي قصيدة حزن تقول بكثافة وبلاغة معا:
الجيد أننا لا نشبه الحزن
لكننا أيضا
لا نشبه السعادة
لقد كانت الغنائية الصارخة والاندفاع الموسيقي الملازم لها يسلب قصائد ميسون تلك المطابقات النوعية والإيقاعات المنخلقة من التوازي والتعارض اللذين يعكسان تعارضات العالم وإحساس الإنسان به وتعبيره عنه شعريا .

وأحسب أن ديوان (مدد) أدخل ميسون الإرياني كاسم آخر في الكتابة الشعرية النسوية العربية ذات المحصول الطيب بمقياس النوع والكم، وقبل ذلك بالاحتكام إلى الوعي النوعي بوضع المرأة من جهة ، وبدور الشعر في تمثيل ذلك الوعي وإظهاره فنيا..وفي نصوص مدد كثير من الشواهد على ذلك الوعي وترجمته عبر العلاقة بالآخر رجلا متعدد الصفات والمواقف والأفعال.
 
 نشرت في صحيفة اليمن



حاتم محسن شراح

هكذا وعلى إمتداد قصائد المجموعة يلاحظ القارئ أنه أمام صوت شعري جديد ومع مبدعة تسجل ـ عند أول الطريق ـ حضوراً يعكس نقاء الإنسان ، وصفاء القصيدة " في رحلتها الجديدة " ، كانت هذه آخر فقرات المقدمة التي قدم بها الأستاذ الدكتور / عبدالعزيز المقالح ديوان الشاعرة / ميسون الإرياني سأثقب بالعاشقين السماء " وهذه الكلمات المضيئة لدرب الشاعرة الشعري توعز ، وتتنبأ بشاعرة إذا ما أخذت كلمات الأستاذ الدكتور / عبدالعزيز المقالح بعين الاعتبار ، فمن خلال القراءة الأولى للديوان تتضح الرؤية بوجود شاعرة ترسخت أقدامها في أرضية الشعر ، ولم تظهر للأضواء بهذا الديوان إلا بعد أن خاضت غمار الشعر ، ولم تبرز هذه النصوص الناضجة إلا من خلال كم هائل من البدايات التي أبت الشاعرة أن يراها غيرها ، ولعل العنوان الجميل هو أول ما يدهش القارئ ، ويبعث على التأمل في ذلك التحليق الذي قامت به الشاعرة في سماء الشعر ، وإذا كان العنوان يمثل نصاً موازياً فتلك العتبات ، والتي أعني بها عبارتي جوته "الشاعر معلق بين السماء والأرض " ، وعبارتها " الشعر غاية ترتبط بالوجود كالجنة تماماً " ص9 ، وذلك الإهداء الذي شدتني عباراته الشعرية " شكراً لكم كنتم أجنحتي" ، هذه العبارات مع العنوان تمثل استنطاقاً لما في داخل الديوان فالعنوان يوحي بأن الشاعرة ترمي إلى اختراق سماء الشعر بعشاق الشعر الذين سيحلقون في هذه السماء الشعرية أثناء تلقيهم لقصائد الديوان ، ولعل هذه الرؤية تتنافى مع قول الشاعرة في قصيدة بعنوان " سفر الخطيئة " :

مد السحاب القناديل

أوقد من سكرة الحب ثوباً يراودني الجان

عنـــه

أزم الرماد الحزين

وأثقب بالعاشقين السماء لتغفر يا

شارد الغيث ذنبك ص79

إن الشعور بالذنب ، يمثل منطلقاً لنفس تواقة إلى الطهر ، والتخلص من الذنب ، وهذه الحساسية هي التي تصنع الشعر ، ولكن أن تصبح الصيغة سأثقب فالمدلول هنا يوحي بأن هناك تمنعاً ، وثمة جدار أو عازل يتطلب فعل الثقب ، وإن كانت الشاعرة قد اخترقت هذه السماء ، ولم تثقبها فقط ، ولعل الصورة الشعرية الحديثة جداً وهي استعارة الموقف ، فالشعر يمثل الابتهال ، والدعاء ، والاستغفار ، والاستعطاف ، والسماء ، هي الفضاء الشعري ، والعاشقون هم من يتلقى الشعر ، ولعل القصائد التي توحي بهذا المعنى ومنها القصيدة التي استوحت الشاعرة منها العنوان ، وتبقى جملة العنوان الفعلية " سأثقب بالعاشقين السماء " تجعلنا نقف وقفة إعجاب بالعنوان المجازي الإستعاري الجميل الذي يمثل مغايرة خالفت فيه زملاءها الشعراء الذين تتنوع مشاربهم في إختيار العناوين ، وهي هنا ومن خلال الفعل سأثقب المسبوق بالسين التي تحول الفعل المضارع إلى المستقبل برغم أنه يدل على وقوع الحدث في الحاضر ، والفعل ثقب فعل متعد يلزمه فاعل ومفعول به ، والفاعل يلزمه واسطة فالإنسان لا يستطيع أن يثقب جداراً وشيئاً ما إلا بواسطة مسمار مثلاً والشاعرة جعلت العاشقين هم أداة الثقب ، وهي هنا تراهن على المتلقي في العملية الإبداعية الشعرية فلولا هذا المتلقي لما وجد الشعر ، فالمتلقي هو المعني بقول الشعر ، ويجب أن ينتقي الشاعر أجمل ما لديه ليمتع المتلقي ، وهذا ما قامت به الشاعرة منذ أول قصيدة في الديوان " حين تفر الخطايا " :
ماذا تبقى من الليل غيري
ومن ذا لقديسة

تستهل الدعاء بأغنية للمساكين

للعالمين !
تعلم فتنتها كيف تذروا المعاني
حنيناً يلملمنا
في المساء ص13

هذه القصيدة هي تمثل مستهلاً رائعاً للديوان تخاتلنا فيه الشاعرة لتمرر علينا رؤيتها فالقصائد في هذا الديوان مثل ترانيم ، وأدعية ، وأغان للمساكين ، ولفظة المساكين هنا يجب أن تحمل مدلولاً شعرياً في هذا النص فالسكون والهدوء ، والرضوخ أحياناً بدافع ما هو ما يجعل الدلالة تتجه إلى من إتصف بصفة من الصفات السابقة ، والشعر هو الذي يهز كيان الإنسان الهادئ ، ويحرك المشاعر الساكنة ، ويبعث الحياة في الفكر الجامد ، ويطرد الملل من رتابة الحياة ، وفي قصيدة " رقية للجنون " تقول لإثبات ماذهبنا إليه :


المنازل حين تزور قيثارة العشق فينا
سيمحو المساء قلوب العفاريت

ينسج ورد السلام

على قارعات المدى المستكين

على ضفتي قلبه

إذ يراود عن صفة الحب وقته

لميلادها دمع أمي

نجوم يطرزها بي .. بها إذ يذوب على شفتينا

هواها

المنازل حين ستفضح آلامنا للجنود ص118
إن ذلك التجاوز الذي يعزى لقصيدة التفعيلة مثل قولها" لميلادها دمع أمي" حيث تم إقحام الضمير الهاء في لميلادها ، فالوزن يجعل الشاعر يحشو بعض المفردات أو يحركها أو يضطر للوقوف وكل ذلك لأجل الوزن ، والشاعرة تستخدم هذه التجاوزات لكي تمنح القصيدة وهجاً من الخروج على المألوف اللغوي ، والتهويم في سماء الشعر دون توجيه من أحد فالشاعر يخرج من الفضاء المغلق ، ويتفلت من أغلال اللغة ما عَنَّ له ذلك ، ولهذا قال النقاد بالضرورات الشعرية ، وفي الحقيقة ما هي إلا خروقات لغوية أوصلت النقاد إلى أن يقولوا جاز للشعراء مالم يجز لغيرهم ، والقصيدة الناضجة لا يضيرها فلج في الأسنان أو خال في الوجه بل أحياناً تكون زينة للقصيدة فأبيات المتنبي وأبي تمام التي عابهم عليها النحاة هي التي تم تخليدها في شواهد النحو والبلاغة . في قصيدة بعنوان " وطن بثمانية رؤوس " تبرز الشاعرة عبر قصيدة نثر متكاملة حيث تنعدم الغنائية ، ويبرز السرد الجميل ، واللغة التقريرية المطعمة بالمجاز لكسر حدة السرد تقول الشاعرة :
اليوم متجرد من رأسه
صوته خريفي الإشتعال
أضلاعه تؤرشف البرد
يلقَّن أنفاسه التائهين رقية تقيهم الطيبة
طالما ذكرني ذلك بالنمل
بنساء يفضلن الصيف على البقاء بلا أوراق
للطـــــالع ص33

إن إتقان الشاعرة لقصيدة النثر برز من خلال النصوص النثرية التي في الديوان برغم طغيان قصيدة التفعيلة ، والتي برغم تقادم الزمن ، لم يستطع إلا قلة البروز ، والتجاوز من خلالها ، والرهان سيكون على إسقاط تقنيات قصيدة النثر على قصيدة التفعيلة ، وهذا ما قامت به الشاعرة في قصائد ديوانها ، فاللغة الشعرية هي التي صبغت قصائد التفعيلة بشاعرية آسرة من خلال الصورة الشعرية الحديثة ومن أمثلة ذلك قصيدة " الطريق إلى الأجداث " :

إني هنا كي أنحت الصفصاف في

نبضي على نغم يهيم البحر في عينيه

أحتضن السهول
وليلتي

إني أتخذت النار مهداً لاستغاثاتي

فصمتاً !

يازنابق قبلتي السكرى

أصيخي للمرايا

أيقضيه براقك الغافي على ظل الطريق

لا ريح تبكي نبض أنفاسي هناك
ولا رفيق

إن هذه القصيدة تمثل تشخيص الأشياء كالبحر ، والسهول ، والزنابق ، والطريق ، والأنفاس ، والشاعرة بهذه الصورة الاستعارية تمنح القصيدة بعداً جمالياً يمنح المتلقي متعة القراءة ، ولذة تذوق الشعر الذي ينبعث من كل كلمة في القصيدة ، وبرغم التناقضات ، وتجريد الظواهر واجتماعها فالبحر ، والسهول ، والنار ، والصفصاف ، والزنابق ، والمرايا ، والظل ، والطريق ، ويتبقى أن نشير إلى أن ما يجمع هذه الظواهر هو الشعر والشعر فقط ، والشاعرة هي من تتعاطى مع هذه الظواهر فتنحت الصفصاف ، وتحتضن السهول ، وتتخذ النار مهداً لماذا؟! لاستغاثاتها ، ويتطلب هذه الاستغاثة الصمت الذي تطلبه ، وتستجديه من الزنابق ، وأي زنابق إنها زنابق قبلتها السكرى ، وترجو منها أن تصيخ السمع للمرايا ، وأي مرايا إن الشاعرة تنطلق من اللاوعي تجعل الشعر ينطلق على سجيته ، وليس هناك ما يدعو إلى محاولة إستكناه المعنى أو المدلول فالشعر في هذا العصر يجب أن يتفرغ لغاية الشعر ، وعليه أن يحشد ما بوسعه من طاقات لغوية ، وإيحائية ، وجمالية في سبيل إبراز الجانب الجمالي للقصيدة من خلال اللغة الشعرية ، والتي ومن خلال لغة الشاعرة وقاموسها الشعري يتبين أن الشاعرة تتمتع بقاموس شعري جميل ، وثري بالألفاظ الموحية وفي هذا النص من أمثال الصفصاف ، نبضي ، نغم ، يهيم ، أحتضن ، مهداً ، زنابق ، قبلتي ، أصيخي ، ... الخ . ومن القصائد النثرية التي تجيدها الشاعرة على نحو تغاير فيه الآخرين في قصيدة بعنوان هكذا تقول :

الحلم يتكدس عند رائحة إسمك
كل يوم ملاك عند ضفة الكون
يداعب نجمتنا
يقفز
تتنهد الريح

تنساب ضفائر ميعادنا عند نبوءات لم تحترق هكذا
القبو الممتد سراب البصر

يجمد ألحان المساء ص47

إن الشاعرة تمثل جيل ما بعد الحداثة من خلال التداخل ، والتناقض ، وإنتهاك النظام فحتى قصيدة النثر حين يتم التنظير لها ، وإخراج العاطفة ، والمشاعر الإنسانية ، وجعلها وعاءً فكرياً هذا إذا كانت تحمل رؤية فكرية أو فلسفية أما شاعرتنا فقد جاءت بنص يفتح الأفاق لقصيدة النثر ، لتكون قابلة لكل الأغراض فتقييد الشاعر ، ووضع الحواجز ، والمعايير تعد من الأمور التي يسعى الشاعر دائماً إلى كسرها ، واختراق هذه النظم ، ومن ثم يتم وضع معايير ونظم لهذا الاختراق ونعود إلى المقولة التي تقول أن اللا قاعدة هي القاعدة الذهبية ، وهذا برغم كون الشاعرة قد أبدعت في شعر التفعيلة ، وكان أجمل ما حافظت عليه هو ذلك الزخم الشعري المتمثل في اللغة الشعرية ، والعناية بالمفردة الشعرية ولعل هاجس الحب ، والعشق هو الطاغي على قصائد الديوان ، ولعل العنوان جعل الشاعرة تنتقي قصائد الديوان البحرين .

Twitter Updates