عن الشاعرة ميسون عبد الرحمن بن يحي الإرياني

 صفاء وعذوبة شعرية


إن في اليمن لشاعرات مبدعات يحملن منذ البداية أصواتهن الشعرية الواضحة ويبرزن هوياتهن الإبداعية  المتميزة.

والشاعرة ميسون الإرياني واحدة من هؤلاء, حتى يمكن القول:إن عبارة شاعرة واعدة تغمط حضورها الشعري القوي, منذ أول مجموعة شعرية لها بعنوان (سأثقب بالعاشقين السماء).


بعد أن سلم لي والدها الذي يصح لي أن أدعوه :"الولد" – عبد الرحمن يحيى الإرياني هذه المجموعة لإبداء الرأي لم أكد أقطع شوطا في قراءتها حتى عجبت أن يكون أول صوت أسمعه لهذه الشاعرة على هذا المستوى من الصفاء والعذوبة الشعرية وتعجبت أن لا يكون هذا الصوت مسموعا على الساحة الشعرية كلها فقد وقفت أمامي الشاعرة "ميسون" من خلال هذه المجموعة , شاعرة متمكنة كأنها قضت ردحا من الزمن واندهشت حينما علمت أنها لا تزال في أول سنيها في الدراسة الجامعية وأنه لم يسبق لها أن نشرت شيئا من شعرها إلا في مجالها الجامعي فحسب ورغم ما عرفته عن عمرها الذي لا يزال مبكرا إلا أن قامة الشاعرة المتمكنة ظلت ماثلة أمامي كلما قرأت شعرها في هذه المجموعة , ولم تستطع طلعة الشاعرة الواعدة – بمقاييسها المعلومة – أن تحل محلها .
وشعر (ميسون ) في المصطلحات النقدية , يندرج تحت مصطلح (الشعر الحديث) , إنه – بكل صدق وتجرد – شعر حقيقي , يمتلك أهم شروطه الإبداعية , ولا يملك من يقرأه إلا ان يردد : يا له من شعر جميل !
إن جماله يأتي من عوالم الشعر البعيدة الغامضة ! ولما كانت الموهبة الفطرية , شرطا أوليا لابد منه للشعر , فإن موهبة الشاعرة من خلال هذه المجموعة , واضحة كل الوضوح ,وخاصة من خلال قصائدها التي اختارت لضبط موسيقاها الخاريجة , الإيقاع ( التفعيلي) , وللقارئ أن يختار أي واحدة من هذه القصائد , ليجد أن تفعيلاتها – على تنوعها – مضبوطة حسب شروطها كل الضبط, ويأخذ بعضها بأعناق بعض فهي منسجمة ومتناغمة من أول القصيدة إلى آخرها, وهذه الموهبة التي تقيم للشعر العمودي أوزانها, وللشعر الحديث موسيقاه .
ثم لما كانت الثقافة والقراءة , وسعة الإطلاع, شروطا ضرورية  لإثراء الموهبة وإغنائها, فإن ثقافة ( ميسون) , تتجلى في مستوى رفيع, لا بالنسبة لسنها, بل قياسا بكثير ممن قطعوا أشواطا أطول, في ميادين الممارسة والإبداع . ويتبقى لها في يدها شرط الإستمرار , سواء من حيث إغناء الموهبة , أو من حيث صقلها بالممارسة , فهي شاعرة متمكنة , وعمرها المبكر كفيل بأن يجعل منها شاعرة كبيرة , لا على ساحة الإبداع اليمني فحسب بل وعلى مستوى الإبداع العربي بصفة عامة .
و تجنبا لللإطالة , فإن ما يجب التنويه به , في شعر (ميسون ), يمكن إيجازه مبدئيا بالنقاط التالية :

1-   1_سلامة اللغة وصحتها , طبقا لقواعد (علوم الآلة ) , فليس في هذه المجموعة في الجانب النحوي والصرفي والبياني , ما يجب تصحيحه وتقويمه. وإنه لأمر محمد لـ (ميسون) في مثل سنها ومرحلتها التعليمية خاصة في ظل ما نسمعه ونقرؤه , في الساحة العربية إجمالا , من الشكاوى التي تلهج بضعف المناهج التعليمية , في تقريب اللغة العربية وتمهيد صعابها , أمام الطلاب وسائر الشباب , حتى أصبحت إجادتها والإلتزام بقوعدها , لا عند الخريجين و المتعلمين فحسب , بل وعند المنتجين والمبدعين , من الأمور الصعبة .
2-    2_سلامة التراكيب اللغوية , وجمالية التراكيب الشعرية  فشعر ( ميسون ) ملتزم إجمالا بسلامة الجمل والتعابير طبقا لقواعد اللغة وعلوم البيان , هذا من ناحية , ومن ناحية اخرى , فإن فيه من التراكيب الشعرية , ما يبدو مخالفا للكتابة التقريرية , ولكنها هنا تراكيب شعرية جميلة , ولا تخل بأسس لغتنا الجميلة , وغاية ما توصف به أنها غريبة , ولكن من قال أن الغرابة غير مطلوبة في الشعر ؟! إن أحسن ما يقال في الشعر من مقولات هو القول : ( إن أعذب الشعر أغربه )


3-   3_ سلامة الموسيقى الداخلية والخارجية , في القصائد المندرجة تحت مصطلح (القصيدة التفعيلية) من حيث سلامة التفعيلات التي اختارتها ومن حيث تنوعها من جانب , وتناغمها من جانب آخر . ثم : سلامة الموسيقى الداخلية أولا, والخارجية ثانيا , في القصائد النثرية , من حيث موسيقية مفراداتها اللغوية , وعذوبتها الشعرية الرقيقة , مما يجعل للقصيدة موسيقاها الداخلية في المفردات , وموسيقاها العامة الخارجيه في تآلف هذه المفردات .

وأخيرا قد يقال أن في شعر (ميسون) غموضا هنا وإبهاما هناك , وهذا يبدو صحيحا. والقضية هنا قضية ذات مجال واسع , ولكن يمكن أن يقال بإيجاز : إن الغموض في الشعر غموضان غموض رهيف , وغموض كثيف . فأما أول فيشبه الضباب الخفيف الذي لا يحجب المنظر الطبيعي تماما بل يشف عنه  ويوحي به , فترى العين منه ما ظهر , ويرى الخيال منه ما خفي , فيتكامل المنظر في العين وفي الذهن , وقد تصير صورة الخيال الذهنية , اجمل من صورة البصر الواقعية . وأما الثاني ,فلا يقع فيه إلا المدعون الذين يقتحمون ساحة الشعر وهم لا يملكون حتى الموهبة الفطرية الأولى أو الإتباعيون الذين يقلدون  ( المدارس الشعرية ) العبثية – وفي هذا العالم عبث وعابثون في كل المجالات - , وما أبعد الشعراء الصادقين من كل هذا .
وختاما , فإن وصف (ميسون) بـ( الشاعرة المتمكنة ) , لا يتعارض أبدا مع كونها ( شاعرة واعدة ) بحكم أن مجموعتها هذه هي أول إبداعاتها التي تعدها للنشر, وبحكم أنها في بداية العشرينات من سني عمرها المديد إن شاء الله .
والوعد يكون على قدر واعده , ومن يكون وعدها على هذا المستوى الشعري القوي الرصين الجميل , والغني بالدلالات على الشاعرية المرهفة والثقافة الواسعة فإنها – بعون الله وتوفيقه- تبشر بظهور شاعرة كبيرة جديدة , لا على مستوى اليمن الموحد الجديد, بل وعلى مستوى ما ينتظر الوطن العربي من مستقبل جديد مجيد أيضا .



الشاعرة ميسون الإرياني ومهارة الصورة الانزياحية
* مجيب أحمد السوسي
الأحد 20 ديسمبر-كانون الأول 2009




حينما ترغب أن تتصفح ديوانها:«سأثقب بالعاشقين السماء» تجبرك اللغة الطيّعةٌ لديها، على قراءة الديوان هذا بجدية وإمعان، ولتتناول ـ معظم ـ القصائد التي تضمنها المجموعة من حيث الشكل والمضمون فحسب.
«ميسون» لها علاقة كبيرة في النفاذ إلى تجارب الغرب الأوروبي، والآداب العالمية، وهذه ميزة لافتة، سهلت لها الدفق الشعري على مستوى لائق وواسع، وأعطتها مساحة لكي تُظهر البراعة التي اكتسبتها، وزينت بها الومض في تراكيبها النثرية المعبأة بفنية الشعر والتي أدت مدلولاتها المتحركة في استكشاف شغف الرجل وتحولاته النفسية:
حرمتك شفتي
فأضأت لي لغتك
إنه بُعد حيوي في علم النفس، من حيث المعنى واختزال بارع من حيث التركيب اللغوي والفني فلو أن العاشق حصل على نبيذه، لأطفأ الرغبة ووسيلة العصا السحرية، ولظلت لغتة صامتة ومطفأة..ولا يحتاجها،غير أن الحرمان ترجم عواطفه إلى لغة تتشظى إضاءة وبريقاً.
تبكر اللغة المعطرة والدافئة في صحف ميسون، ويباغتك المعنى لديها، ليجعلك تنهض ببصيرتك،ومملكة حواسك إلى الغصن الأسمى في هذه اللغة المدهشة:
اتكئ صوب روحي قليلاً
وكن طيباً
سأشعل ظلاً هناك
ليؤنسنا
ثم إن ميسون تريك أنها اقتربت في الواجدانيات إلى فضاءات الملاحم، عندما تشم الطبيعة في صمت الرؤى الإنسانية وسكينتها، فتشعر أنك تلخص الكون:
المدينة هذا المساء تنام
كأنثى يمشطها الهمُّ
ينذرها طاقة من عصافير
عندما تقرأ كثيراً من المجموعات الشعرية في كل العواصم العربية، كأنما تقرأ قصيدة واحدة، تتشابه القصائد رتماً، ومعنى، وطلسمة وغيبية.. وصوتاً..
في قصائد / سأثقب بالعاشقين السماء/ تتبدّل ـ كقارئ ـ بين مقطع شعري، ومقطع آخر وينتابك شعور دافق في القصيدة الواحدة ترابطاً، ومدلولات وبراعة في الإيجاز وحميمية في التفاصيل أيضاً.
إن حضور القصيدة في القصيدة، وأنت أمام نص شعري متكامل ـ ودعك من أن يكون النص لجدتها أوجدّها ـ وبالمناسبة فأنا أزعم هنا ـ بقوة ـ أن النفاق النقدي، أو المجاملات في العهدة النقدية العربية المعاصرة تميل كثيراً بهذا الاتجاه.. ربما بدافع التشجيع وهذا يقتل صاحب النص والنص معاً، وربما بدافع التملّق وذلك يطمر السوية النقدية الأخلاقية أنا ـ شخصياً ـ لا أعرف الشاعرة، ولم أتحدث إليها، ولكنني عرفت مجموعتها الشعرية الفذة، وهذا ليس تبريراً ما، ولكنه إشارة مبدئية ثابتة وصادقة.
مهما يكن من أمر، فإن نصوص ميسون الارياني في خزانتي النقدية، ستكون مرجعاً مهماً لمحترفي القصيدة الحديثة أو للساعين إلى كتابتها أو تعلمها، نظراً لاكتمال التجربة التي تبرئ ساحة نصها من المباشرة أو السردية، وتمكنها من الاتكاء على الصورة الانزياحية، بحساسية عالية وعمق فني جميل:
عجب من نبيين يؤويهما الورد
بين الجدائل
فاحتضرتُ!
أمسكا وجنة الريح،
علّ الطريق يضل الطريق،
ويخطف قلبيهما
عندها تُكسف الشمس،
تنثر أصواتها في شفاه الجبال
إنه تفجير مترف لطاقات اللغة، وهنا أريد الإشارة إلى أننا لم نستخدم إلا ثلاثين بالمائة من طاقة لغتنا العربية، ولا أعني بذلك المفردات،وإنما أعني كيفية تركيبها، وجمالية استخدامها.
فالمفردات ـ كما نعلم ـ متناثرة على جانبي الطريق، غير أن صناعة الدهشة فيها تحتاج إلى فنية عالية، وهنا لابد من الاستشهاد ببيت واحد «لنزار قباني» الذي يقول:
تبكي الكؤوس فبعد ثغر حبيبتي
حلفتْ بألا تسكر الأعنابُ
البكاء، الكؤوس، الثغر، الحبيبة، الأعناب كل هذه المفردات البسيطة متوفرة لدى الجميع أما القدرة الشعرية على توظيفها وإدهاشها فأمر آخر. نحن ندرك أن الخمرة تؤدي إلى السكر والثمالة، أما أن يجعل نزار الخمرة هي التي تثمل ـ بعد ابتعاد شفتي حبيبته عن الكأس ـ وبكاء هذه الكؤوس، ويمين الأعناب غير المحنث بأن لاتدوخ أو تسكر مرة أخرى !!
وهي التي تقوم بوظيفة ـ سُكر/ الآخرين، فجاء من يٌسكرها ويجعلها تترنح لذاذة وطيباً، فذلك هو الإدهاش ذاته.. من هنا، فإن لغة ميسون الارياني ليست باللغة الكسولة، وإنما استطاعت ـ برأيي ـ أن تضيف جزءاً بالمائة إلى استخدامات لغتنا وإلى فنية كنوزها التي تنام في اغفاءة واستطاعت أيضاً إظهارها وإخراجها من الحالة الاعتيادية والمكرورة إلى نمط متفجر ومتحرك وأن تمهرها بخاتم الإبهار والومض والحداثوية المشقة.
تكاد المجموعة تخلو من الأخطاء النحوية،ربما لأن ظلال المفردة المنقحة،والتي مدّت فيئها على المعنى،جعلت هذا المعنى مسبوكاً ، ومخيماً على الهنات القليلة.
نصوص المجموعة حقول متنوعة الثمار، وقد اتخذت مكانتها الشعرية في ديوانها/سأثقب بالعاشقين السماء/




*أديب سوري شاعر وناقد
http://www.algomhoriah.net/atach.php?id=26304







كل شيء في هذه السماء يشرح لك كيف تموت

فلماذا تستمر بتكرار اسمك ؟

لا حاجة أن تلبس صوتك النظيف

وقبعتك الفواحة

لا حاجة أن تدندن بصوت لا يخصك

بحنجرة رَمِده

لا حاجة أن تأكل قلبك

وتدخن سيجارة أفيون كبيرة

يكفي أن تقذف بي بعيدا

متشبثة برائحتك الضجرة

وتستمر بالوقوف ساخطا على السماء

\حين تُعرض عنك\

يكفي أن تتفوه بكلمة :
( تبا )

ليستقيل قوس قزح

ولا تموت وحدك

أو هكذا تظن بأن السَكينة تتسع فقط لاثنين منك 
أحدكما شاعر

ترك صبحه مفردا

ليصدأ

والاخر فيلسوف

حطم رقعة الشطرنج

وغرق بالموسيقى

هكذا قالت العصافير

قبل أن يستيقظ العالم





العالم يئن
 
كأسكافي عجوز
 
بكف واحدة
 
يلمع أحلامنا اليابسة!






الجيد
 
أننا لا نشبه الحزن
 
لكننا أيضا
 
لا نشبه السعادة !
.










كغدير
 
سينقبض
 
ليخبئك
 
حيث يَخفى السؤال
 
وتعبَدالمسافة
 
وكالليل الصبي
 
في اللامكان
 
سيرقص.









كم الآن؟

أدرك أني سأمر كقصيدة

\لمرة واحدة\

سأمزق الألم.

أيهاالمزيفون\أصدقائي

الشعر

كذبة بيضاء

تفتن الزمن.











لا تؤمنوا بي
 

النجمة خبرتني أني سأندثر
 

و يزرعني الصيف نعيا

 



لا تؤمنوا بي
 

لأن الوطن الجائع

لا تكفيه ذاكرتي,
 

تاريخي الأعرج ,
 

ولا النافذة المعطلة
 

المدرجة
 

في فهرس أصابعي..



  لا تؤمنوا بي
 

لأني تحت شجرة التفاح
 

أقضم صوتي
 

وأزرع زهرة
 

هي ذاتها
 

لا تريد الحياة.










د.عبد العزيز المقالح



هل أستطيع القول بأن الجيل الذي سبق جيلنا من الشعراء كان مؤمنا بأن الشعر قادر على تغيير الواقع،وأن جيلنا شارك ذلك الوقت في إيمانه ذاك ثم انكفأ على نفسه وتواضعت أحلامه إلى درجة بات معها يرى أن الشعر قادر على تغيير نفسه فقط، أي تغيير القصيدة وتركيبها؟

وهل أستطيع القول إن الجيل وربما الأجيال التي جاءت بعد جيلنا قد تخلت نهائيا عن فكرة تغيير الواقع عن طريق الشعر،واكتفت بأن تكتب الشعر كما يريد أن يكون متحررا من أي هدف سياسي أو اجتماعي إلاَّ ما جاء عفوا أو دون رهانات أو اختيارات مسبقة؟

إن نظرة نقدية ثاقبة لما تكتبه الشاعرات والشعراء من الجيل الذي تفتحت مواهبه مع بدايات القرن الحادي والعشرين تشير إلى أن الكون بأشيائه وكائناته وتناقضاته كتاب مفتوح بين يدي هذا الجيل يقرأ فيه بحرية مطلقة ما يشاء ويكتب عما يشاء ، ومن حقه علينا أن نشهد له بأن لغته العربية سليمة وهي في أحيان كثيرة لغة ماكرة وبسيطة تقول كل شيء بطريقة مختلفة وخالية من بلاغة الإنشاء . لغة تميل إلى الاقتصاد في الكلمات وإلى اختزال في التعبير يستوي في ذلك مقارباتها العاطفية او الفكرية.

تتناثر هذه الإشارات في ذهني ثم إلى الورق في أثناء قراءتي المجموعة الأولى للشاعرة الشابة ميسون الإرياني ، هذه الإنسانة المسكونة بالشعر والمعجونة به والتي إن حافظت على براءتها الشعرية ونزقها اللغوي الجميل وإذا سلمت من قهر الواقع وسطوته سيكون للوطن منها شاعرة متميزة.

عنوان المجموعة المثير هو(سأثقب بالعاشقين السماء) وقد وضعت على عتبته عبارتين جميلتين أولاهما للشاعر الألماني الأشهر(جوته) تقول:"الشاعر معلق بين السماء والأرض"، والعبارة الثانية للشاعرة نفسها وتقول :"الشعر غاية ترتبط بالوجود كالجنة تماما..." وتنقسم قصائد الديوان إلى قصائد ذات غنائية خافتة تلتزم التفعيلة ،وإلى قصائد نثر تحلق خارج الوزن والإيقاع .


ومن نماذج قصائد التفعيلة قولها:
خذني إليّ                           

أجوب المرايا

يذوب اشتعالي على وجنتيك



أفيء إليك من الخوف



ترمي هواي على بعد شعرة

وتُسكنني في فضاء بلا أنت

يمنحني الخوف شارته

وأغني على الجمر سّرك

تذوي

فأذوي.


أول ما يلفت النظر في هذه القصيدة القصيرة التلقائية البديعة في التعبير عن الذات، وهذا التركيب اللغوي المتمرد الذي جاء في السطر السادس "وتسكنني في فضاء بلا أنت" وهو تركيب شعري متفرد رقم صدمِه للمألوف اللغوي "فضاء لست فيه" أو " لا وجود لك فيه" . وهذا مثال آخر من قصائد النثر يؤكد أن الشاعرة تجيد استثمار التحرر من قبضة الوزن في تكثيف وإثراء الدلالة إلى أقصى حد:

الحلم يتكدس عند رائحة اسمك

كل يوم ملاك عند ضفة الكون

يداعب نجمتنا

يقفز

تتنهد الريح ..

تنساب ضفائر ميعادنا عند نبوءات لم تحترق .هكذا وعلى امتداد قصائد المجموعة يلاحظ القارئ أنه أمام صوت شعري جديد ومع مبدعة تسجل _عند أول الطريق_ حضورا يعكس نقاء الإنسان وصفاء القصيدة في رحلتها الجديدة.


كلية الآداب ـ جامعة صنعاء

17\5\2009








قال عنها الشاعر والناقد الدكتور عبد العزيز المقالح :"إن حافظت على براءتها الشعرية سيكون للوطن منها شاعرة متميزة."



ميسون الإرياني تتوعد في باكورتها"سأثقب بالعاشقين السماء"




محيي الدين جرمة


صحيفة اليمن الثقافية





صدر عن دار فراديس للطباعة في البحرين الديوان الأول للشاعرة اليمنية ميسون الإرياني ويضم بين دفتيه عددا من النصوص الشعرية التي تجاوزت من حيث معطى الإختلاف على صعيد الشكل والمضمون كما أن الديوان الذي بين أيدينا يحتوي على 124 صفحة من الورق المتوسط والخفيف الحجم بطباعة أنيقة وغلاف مرصع بأخيلة اللون وأمداء الكتاب.وفي مقدمة ضافية لهذه المجموعة الباكرة يكتب الشاعر والناقد الدكتور عبد العزيز المقالح " تتناثر هذه الإشارات في ذهني ثم إلى الورق في أثناء قراءتي المجموعة الأولى للشاعرة الشابة ميسون الإرياني ، هذه الإنسانة المسكونة بالشعر والمعجونة به والتي إن حافظت على براءتها الشعرية ونزقها اللغوي الجميل وإذا سلمت من قهر الواقع وسطوته سيكون للوطن منها شاعرة متميزة."

وميسون الارياني تستهل باكورتها الشعرية بسؤال يشير بتلاش لصورة الليل إلا من الشاعرة إذ يتجمع وجودهاالناهض في تركيب الصورة الشعرية المتخيلة كــ "ليل" بارق وإنما هي كبقاياه أو بقيا منه .كذلك يفضي حنان حروفها عبر خفه وكمان صوتها وحيائه الكتيم وميسون بإرادة صريحة تكشف ربما لأول مرة عن علاقة سابقه لها بكتابة تفعيلة تتوسم الماء وهي من عهد في النشر غالبا على التجريب في كتابة قصيدة النثر ولعلها مغامرة الواثق بيد أن الشاعرة هنا ترواح بين السؤال بعفوية الحضور وبين استشراق اللغة.


لغة اللحظة بصفاء معطى قصيدة ,تنعكس في مرآة ظلالها كأغنية تختبر مدى ما قد تستوعبه شساعة الوقت وفي لغتها باتجاه محمولات ميتافيزيقيا النص وهي إلى ذلك تنصت إلى دواخل شاعريتها برؤية واضحة القصد ومسترسلة وكأنها قد خبرت المكان في نفسها وسكبت ثريات التأمل في زهرات غيومه واعدة بانسكاب ضوء من أصابع الوقت وبلون السماء المعرضة لخطر لكن من نوع رحيم هذه المرة لعله اقتراح غير مألوف لتحليق يتأبى إلى أن تكونه الشاعرة كنبتة شموس في رقاع التراب وزرقة الإحتمال المأخوذ باندهاش الحلم ووردة المجاز والمجاوزة في آن . وحيث يأخذها التحدي أيضا لضوء نجمات الضوء .نجمات سباقٍ تأنقن

للارتباك المفضي إلى رقة الشجر اذ ينظر مخترقا عتمة الابعاد إنها زيارة شعرية خاطفة هذه التي أرادت شاعرتنا أن تتنبه معناها في لحظة بصر وترقب لأحلام نومها وتسويف وعيدها القائل "سأثقب بالعاشقين السماء" ألذلك تطفح السماء المقصودة بفوضى الكلمات أم بتصفح حديقة الأم الكبيرة في حدس الشعور ؟.

ميسون موهبة تصنع مفردتها من جذور الكلمة فيزهر أسلوبها على السطر سلة من فواكه الماء ليس لكونها أنثى تستحق إطراء قصيدتها بما لا يرتجيه قصد الدلالة لكنها وبخاصة أذ يبدو في مجلى ما في نماذجها تحولا تجترح من خلاله كتابة "القصيدة الحرة " وبخاصة حينما كانت لا تزال وصفا و تنظيرا وطموح رؤية لتتداعى تحولات الصفة والموصوف بعد ذلك وتنهدم الجدر وتتهاوى التنظيرات إزاء خيارات الجديد والراهن بمعطياته لكن لتتبدى من حولها التأثيرات المناخية إذ بفعل "تسونامي " المفاهيم والنصورات

الحديثة اقتضى التراكم في إرث الشعر في سياقه التاريخي بلا مألوف العديد من النصورات الشكلية وصيغ شتى لشعرية اللحظة الراهنة وتقنيات وأبعاد اشتغالاتها المختلفة وها هي ميسون بقيت تتلمس المختلف والمتجاور في تجربتها محاولة النحرر والإفاقة من تنميط العادة فهي تملأ فراغ بياضها ببياض آخر ماحية حبر الليل بغيمة الأثر كطبشور يطلع من غبار الروح وشراهة الضوء المتخيل في عتمات مدربة على الاستقرار والنوم ابتسامة تهندس أعيادا جديدة لأحزان تنتظر وأهلة يغمرها الماء في شظايا الأعماق .طفولة ولغة تتحدث اللغة هواء يحافظ على صحته ليتنهد ببإحساس تجربة طرية العود وبصيغة اندفاق لشعرية السؤال واثره ما يشبه فعل أو جواب الشرط حيث تسأل الشاعرة بدفء مرآة خيالها :

"ماذا تبقى من الليل غيري

ومن ا لقديسة

تستهل الدعاء بأغنية للمساكين ؟"

تلك إذا ميسون الإرياني شاعرة أثثت المعنى بحضورها وفرشت الملتبس يعطر الفهم لتثبت أنها صوت قادم بخفته ولمسته الخاصة بعشق الرهان الماتح شعريته من هواء يشبه المطر ا يؤثث صباحات كابية بطفولة اللغة الشارقة ببهاء وعذوبة النهر الجاري كمفردة اغاي من شرار اختلافها القابل لتنمية القصيدة في خضمه وتربية الحدس في أعالي الطلول وثمة تجاوز يتساكن لديها بمعدن التراب المجروح برغبة الكتابة والإقتناص .إنها شاعرة المعنى إذا فيما يتسامى الشعر في لحظته العالية ليملك تجربنه من خلالها بثقة لا تنثني تنتقل كنحلة عسل وزهرة رحيق معا وخطوة بخطوة لا يكاد يسبقها كثيرون ممن لم بجربوا ويجربن بعد أشكالا ريما وخيارات بعينها تشتاقها أفضية القصيدة بخياراتها المفتوحة ومتعة خيالاتها الآسرة سواء اكانت تأملا لمجرد الوقوف العابر على منعرجات الآخرين أو لترسم المعنى خارج حدود الفصاحات المتكلفة .فميسون تبقى شاعرة الظل واللحظة بإمنياز وأعني بذلك بالطبع اقتفاءها المسرى واثار الخيال المشاع لظلال بعيدة يمكن القبض على جمرة نارها في صور الشعر وحيتة التفاصيل وبالخصوص"حين تفر الخطايا "من ميسون اكن تاى ضوء عينيها التي تسكر بطفلة الغناء , العصافير. والشاعرة وما تجترحة هو الإرتفاع في سارية البرق والوصول الى ملح البحيرات المجدولة بخيط الشعر ورغبه الامتثال والعروج البعيد نحو الخيال العاشق لبنت لحظته شعر يتربع في سماء المفارقة التي يحاكيها العنوان وطل يقايض الريح باصابع الأجنحة فيما تقايض الشاعرة انتظارات كثيرة وتتأمل طويلا اختلافها لتؤبد المعنى في صورها لا تنسى كذلك أن:

"تعلم فتنتها

كيف تذرو المعاني

حنينا

يلملمنا في المساء".










Twitter Updates